صديق الحسيني القنوجي البخاري
416
فتح البيان في مقاصد القرآن
ابن الجوزي عن ابن السائب والرازي عن ابن عباس ، ويقرب من هذا قول المجوس فإنهم قالوا للعالم صانعان هما الرب سبحانه والشيطان وهكذا القائلون إن كل خير من النور وكل شر من الظلمة وهم المانوية . ومعنى وَخَلَقَهُمْ قد علموا أن اللّه خلقهم وخلق ما جعلوه شريكا للّه وهذا كالدليل القاطع على أن المخلوق لا يكون شريكا للّه ، وكل ما في الكون محدث مخلوق فامتنع أن يكون شريكا له في ملكه . وَخَرَقُوا بالتشديد على التكثير لأن المشركين ادعوا أن الملائكة بنات اللّه والنصارى ادعوا أن المسيح ابن اللّه ، واليهود ادعوا أن عزيرا ابن اللّه فكثر ذلك من كفرهم فشدد الفعل لمطابقة المعنى ، وقرىء بالتخفيف ، وقرئ وحرفوا من التحريف أي زوروا قال أهل اللغة معنى خرقوا اختلقوا وافتعلوا وكذبوا ، يقال اختلق الإفك واخترقه وخرقه ، وأصله من خرق الثوب إذا شقه أي اشتقوا . لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ كائنين بِغَيْرِ عِلْمٍ بل قالوا ذلك عن جهل خالص ، وقيل بغير علم بحقيقة ما قالوه من خطأ أو صواب بل رميا بقول عن عمى وجهالة من غير فكر وروية أو بغير علم بمرتبة ما قالوه وإنه من الشناعة والبطلان بحيث لا يقادر قدره . ثم بعد حكاية هذا الضلال البين والبهت الفظيع من جعل الجن شركاء للّه ، وإثبات بنين وبنات له ، نزه اللّه نفسه عن هذه الأقاويل الفاسدة فقال : سُبْحانَهُ وقد تقدم الكلام في معنى سبحانه وفيه تنزيه اللّه عن كل ما لا يليق بجلاله وَ معنى تَعالى عَمَّا يَصِفُونَ تباعد وارتفع عن قولهم الباطل الذي وصفوه به . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 101 إلى 103 ] بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 101 ) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 102 ) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 103 ) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي مبتدعهما وقد جاء البديع بمعنى المبدع كالسميع بمعنى المسمع كثيرا ، وقيل الأصل بديع سماواته وأرضه والإبداع عبارة عن تكوين الشيء على غير مثال سابق ، والاستفهام في أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ للإنكار والاستبعاد أي من كان هذا وصفه وهو أنه خالقهما ومبدع ما فيهما فكيف يكون له ولد ، وهو من جملة مخلوقاته وكيف يتخذ ما يخلقه ولدا ثم بالغ في نفي الولد فقال : وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ أي والحال أنه لم تكن له صاحبة ، والصاحبة إذا لم توجد استحال وجود الولد وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ جملة مقررة لما قبلها لأن من كان خالقا لكل شيء استحال منه أن يتخذ بعض مخلوقاته ولدا ، وهذه الآية حجة قاطعة